الأربعاء، 10 نوفمبر 2010

العصر الأموي والبيئات الشعرية



يتحدد العصر الأموي في الفترة الممتدة من 41 هجرية إلى 132 هجرية، وقد تمخض هذا العصر عن تحولات كبيرة وعاصفة ميزت حياة المسلمين، فبعد مقتل عثمان(ض) وُلِّيَ علي كرم الله وجهه الخلافة، فنشبت بينه وبين السيدة عائشة وطلحة والزبير موقعة الجمل، ثم نشبت معركة صفين بينه وبين معاوية ، وكان التحكيم، فخرج جمع كبير من جيشه ثائرين ضده، ولم يلبث أن قُتِل، فتحولت الخلافة إلى معاوية وبيته الأموي، وأصبحت وراثية في هذا البيت، وكان الأمويون في نظر كثيرين لا يمثلون الحكام الجديرين بالدولة الإسلامية، لأنهم عادَوُا الإسلام في أول ظهوره ، وبذلك كانوا يُعَدون مغتصبين للخلافة . وزاد في الغضب عليهم أن سيرة يزيد بن معاوية وابن أخته يزيد بن عبد الملك وابنه الوليد لم تكن مرضية. وأيضا فإن عمالهم(الحجاج مثلا) ظلموا الناس كثيرا [شوقي ضيف،144.]

الاثنين، 8 نوفمبر 2010

الخطابة في صدر الإسلام


  
       أسهم الإسلام في تطور الخطابة عند العرب، فبعدما كانت تقتصر عند الجاهليين على سَجْعِ الكهان الذي يرتبط بدينهم الوثني، وتلقى في مناسبات محصورة تتعلق بالمفاخرات بالأنساب والأحساب وبالمنافرات ، هيأ لها الإسلام  سبل الازدهار؛  فجعلها الرسول (ص) وسيلة للدعوة إلى الدين الجديد في بداية نزول الوحي، ووظفها بعد ذلك لشرح تعاليمه، وإبراز تصوره لأسس الحكم ونُظُم الحياة والعلاقات التي يجب أن تقوم على الإخاء والمساواة والتعاون ، فكانت بذلك مكملة للذكر الحكيم ، شارحة  ومدعمة له، وصارت جزءا ثابتا من الدين ؛ إذ اعتبرها الإسلام « فرضا مكتوبا في صلاة الجُمَع والأعياد ثم مواسم الحج»

الثلاثاء، 26 أكتوبر 2010

نشأة الأدب بين التفسيرين الخرافي والعلمي

مدخل إلى دراسة الأدب ومناهجه- الفصل الأول

نشأة الأدب
بين التفسيرين الخرافي والعلمي
 (مطبوع دراسي)

ذ. مولاي يوسف الإدريسي
       مقدمة
      ظلت "الشاعرية" موضوعا مستأثرا بالاهتمام والتساؤل في الفكر الإنساني، وقد دلت مختلف مقارباتهـا على حيـرة الإنسان الكبيرة أمام الغموض الذي يكتنفها ويسم تجلياتها؛ إذ كيف يتأتى لبعض الأفراد المماثليـن لكل الناس –ظاهريا- أن يبهروا الأسماع ويسحروا الألباب بما يمتلكون من قدرة خارقة على رؤية ما لا تدركه كل الأذهان، ومن طاقة فائقة على تصريف الكلام وصياغته بأساليب إيحائية وتصويرية بديعة ؟ ولماذا ليس في متناول كل الناس أن يضربوا بسهام من الشعر، وأن يقولوا مثل ما يقوله الآخرون؟ ثم لماذا يستعصي حتى على أولئك الممتلكين لتلك القوة الغامضة قول الشعر في كثير من الأحيان، فيغرقون في صمت كئيب وحارق؟

الأحد، 17 مايو 2009

الشعر والشعرية عند محمد الحبيب الفرقاني



                                            
                                              « القصيدة جمال ، ولايمكن أن تكون جميلة ، إلا وهي تتحدث عن جمال ، وتصدر عن جمال ، وتعانق جمالا وتدعو إليه . حيثما كان الجمال ، وحيثما يجب أن يكون .. في الطبيعة أم في الإنسان ، أم في علائق الحياة الجميلة بينهما.»            الحبيب الفرقاني


       تمهيد:                                               
      لم يكن محمد الحبيب الفرقانـي مجرد شاعر، وإنمـا كان علاوة على ذلك ناقدا للشعر والشعـراء، ومنظرا لحركية القصيدة العربية- والمغربية خاصة- ومقاربا لتحولاتها البنيوية والفنية عبر رصد أبرز الملامح الشكلية والإيحائية التي وسمت سيرورتها التاريخية وطبعت صيرورتها الجمالية.
      ولذلك، ففضلا عن بعض مقالاته الأدبية التي نشرها في الصحف والمجلات، وعبر فيها عن تصوره للشعر وتقويمه للنتاج الشعري بالمغرب خلال الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن العشرين، كان يستهل أغلب مجموعاته الشعرية بمقدمات يعرض فيها تصوره للشعر، وضرورته الجمالية والاجتماعية، ويقوم فيها حركة القصيدة المغربية وتحولاتها في ضوء المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعتمل في الواقع المغربي آنذاك .

السبت، 18 أبريل 2009

الشعر في العصر الأموي الأساليب... ومظاهر التجديد

جامعة القاضي عياض                             شعبة العلوم الإنسانية والآداب والفنون
الكلية متعددة التخصصات- أسفي                                مسلك الدرسات العربية

أدب إسلامي أموي- الفصل الخامس
الشعر في العصر الأموي
الأساليب... ومظاهر التجديد

(مطبوع دراسي)
  

ذ. مولاي يوسف الإدريسي



        مقدمة
شهد العصر الأموي )من41هـ إلى 132هـ( صراعات "عاصفة" أثرت في مختلف مناحي الحياة ومستوياتها السياسية والفكرية والاجتماعية، وقد كان للشعراء في هذا العصر نصيب من تلك الصراعات، بحيث انخرطوا فيها، فخاضوا في الخلاف المذهبي الذي كان محتدا بين المتكلمين والفقهاء حول بعض القضايا الدينية المحضة، وتلك التي كانت تحكمها خلفيات "سياسية"، وهو ما جعلهم يصوغون قصائد هامة أسهمت في بلورة بعض المواقف من التحولات والتجاذبات التي كانت معتملة في الواقع، فأثروا بذلك الشعر العربي في هاته اللحظة بمضامين وموضوعات عديدة، وملامح أسلوبية جديدة لم يكن له عهد بها من قبل.

الأربعاء، 15 أبريل 2009

النقد المُبَكِّر عند العرب في منظور الدارسين المحدثين

النقد المُبَكِّر عند العرب في منظور الدارسين المحدثين

                                                                  يوسف الإدريسي- المغرب
         
« (...) وقد نقل الرواة من ذلك الشيء الكثير لكنه مفرق في الكتب، لو تتبعه متتبع متمكن من الكتب الواقع فيها ذلك لاستخرج منه علما كثيرا موافقا للقوانين التي وضعها البلغاء في هذه الصناعة.»
                      حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء.
        تقديم:
مثلت الثلاثينيات من القرن العشرين لحظة دقيقة في دراسة النقد العربي القديم والتأريخ له، فلم تقتصر على البحث في متونه وإخراج نصوصه وتحقيقها، بل انشغلت أيضا بالتساؤل حول نشأته وبدايات تشكله، وهو مطلب علمي كان ضروريا، واقتضى منهم الحفر عميقا في التراث العربي القديم، لرصد المواقف الجمالية والأحكام النقدية المُبَكِّرَة الدالة على بداية تبلور التفكير النقدي عند العرب، إلا أنه صادف حدثا دقيقا في تاريخ الثقافة العربية الحديثة تمثل في صعود تيارات فكرية متباينة ينطلق كل واحد منها من مواقف مغايرة من التراث، ويحمل "إيديولوجية" خاصة، ويسعى إلى تمريرها وتأكيدها من خلال تبني إجابة محددة عن سؤال نشأة نقد الشعر عند العرب.

الاثنين، 6 أبريل 2009

الأدب : المفهوم، النشأة والوظيفة



جامعة القاضي عياض                                                شعبة العلوم الإنسانية والآداب والفنون
الكلية متعددة التخصصات                                                         مسلك الدرسات العربية
           آسفي                                                   مدخل إلى دراسة الأدب ومناهجه- الفصل الأول

الأدب : المفهوم، النشأة والوظيفة
(مطبوع دراسي)

1-   ماهية الأدب
2-  الأدب: من المفهوم إلى المصطلح
3-  نشأة الأدب
4-   وظيفة الأدب




ذ. مولاي يوسف الإدريسي



    مقدمة
        قبل الحديث عن مفهوم الأدب، وعرض أبرز التصورات الفكرية والإشكالات النظرية والمنهجية والآليات التحليلية التي تقترحها المناهج الحديثة لدراسة النتاجات الأدبية، من الموائم الوقوف أولا عند كلمة "أدب" لتحديد المعنى الاصطلاحي الذي تنطوي عليه، وكشف تطور دلالاتها المفهومية عبر مختلف أزمنة اشتغالها وسياقات توظيفها.
       ذلك أن المصطلحات مفاتيح العلوم، يلج بها الباحث إلى مضامينها النظرية، ويتمثل أنساقها المفهومية، وكلما كانت المصطلحات واضحة الدلالة دقيقة التعريف إلا وتيسرت سبل إدراك التصورات والقضايا التي تتصل بموضوعها، وفي المقابل، كلما كانت مبهمة المعنى فضفاضة التحديد إلا وغمضت ماهيتها واستعصت على الفهم والتمثل.
      وإذا كان تاريخ الأدب هو تاريخ أفكار وتصورات جمالية، فإنه أيضا وأساسا تاريخ أنساق مفهومية، إذ إن نشأة الأدب وتطوره ساوقتهما جملة من المصطلحات والمفاهيم التي كانت تختلف تحديداتها وتتنوع بالنظر إلى طبيعة الانشغالات العلمية والأسئلة الكبرى التي سادت في الأزمنة الثقافية والسياقات المعرفية التي نشأت فيها وتطورت ضمنها.
      ومن الجدير بالملاحظة في هذا السياق أن المفاهيم والمصطلحات التي كانت ترتبط بالأدب لم تكن كلها على قدر واحد من الوضوح والدقة، فمنها ما كان حده مضبوطا ودلالته بَيِّنة، ولا يثير من ثمة أي إشكال في مقاربته وتحليله، ومنها ما كان يستعصي على الضبط والتحديد، لكونه ذا طابع إشكالي، ويحتاج إلى مقاربات عديدة، ومن زوايا متنوعة، لملامسة ماهيته وإبراز طبيعته النظرية، وخلفياته المعرفية، وحدوده الإجرائية.
      فما الأدب؟ وما مصدره؟ وما عوامل نشأته؟ وما الفروق الاصطلاحية والإجرائية بينه وبين المصطلحات التي تنتمي إلى شبكته المفهومية؟ وما أنواعه وأجناسه؟ وما طبيعته الفنية؟ وما وظائفه النفسية والجمالية والثقافية؟ وما هي أبرز مجالات دراسته والاتجاهات النظرية والمنهجية الكبرى في مقاربته ؟

الأربعاء، 14 يناير 2009

قضية الإبداع الشعري في النقد القديم


قضية الإبداع الشعري في النقد القديم
(مطبوع دراسي)


ذ. مولاي يوسف الإدريسي
مقدمة
ظلت "الشاعرية" موضوعا مستأثرا بالاهتمام والتساؤل في الفكر الإنساني، وقد دلت مختلف مقارباتهـا على حيـرة الإنسان الكبيرة أمام الغموض الذي يكتنفها ويسم تجلياتها؛ إذ كيف يتأتى لبعض الأفراد المماثليـن لكل الناس –ظاهريا- أن يبهروا الأسماع ويسحروا الألباب بما يمتلكون من قدرة خارقة على رؤية ما لا تدركه كل الأذهان، ومن طاقة فائقة على تصريف الكلام وصياغته بأساليب إيحائية وتصويرية بديعة ؟ ولماذا ليس في متناول كل الناس أن يضربوا بسهام من الشعر، وأن يقولوا مثل ما يقوله الآخرون؟ ثم لماذا يستعصي حتى على أولئك الممتلكين لتلك القوة الغامضة قول الشعر في كثير من الأحيان، فيغرقون في صمت كئيب وحارق؟

الأربعاء، 5 نوفمبر 2008

كتاب: امتدادات المفهوم الفلسفي للتخييل عند البلاغيين المغاربة




كتاب: امتدادات المفهوم الفلسفي للتخييل عند البلاغيين المغاربة
المؤلف: د. يوسف الإدريسي
الطبعة الأولى: 2008
اتسم الخطاب النقدي والبلاغي عند العرب –عبر سيرورتيه التاريخية والمعرفية- بتحولات مست أسسه النظرية وآلياته الإجرائية واتجاهاته التطبيقية، فتميزت كل مرحلة من مراحل تبلوره المعرفي واشتغاله الإجرائي بسيادة تصورات وأحكام جمالية خاصة، وهيمنة أجهزة مفهومية دون أخرى، إلى حد يمكن معه إعادة التأريخ له استنادا إلى درجة سيادة بعض المفاهيم والأحكام والتصورات وانتشارها في لحظات معينة بين النقاد والبلاغيين، ومدى اعتمادهم إياها آلية لتحديد شعرية الخطاب دون سواها.
                فبعد أن تخلص النقد والبلاغة العربيين من الآراء والمواقف التأثرية والانطباعية، وارتقيا بالنظر والحكم إلى التعليل الموضوعي والاستدلال العلمي المقنع الذي يتوسل بتصورات "نظرية" ويستند إلى رؤى منهجية مخصوصة، مع ابن طباطبا العلوي (ت322هـ) وقدامة بن جعفر (ت337هـ) وغيرهما من النقاد الذين جاؤوا بعد المرحلة الأولى لتأسيس المصطلحات وتأصيل التصورات، تركزت الجهود البلاغية والمشاريع النقدية على بلورة أجهزة نظرية وآليات تحليلية شاملة وعميقة، تمكِّن من جمع شتات المصطلحات ولَمِّ التصورات المتفرقة، وتكثيفها في مفهوم واحد، يخرج بالأحكام والتصورات من التشتت والتكرار، ويؤسس لمقاربات جديدة ... ودقيقة تكون أكثر إحاطة بعناصر القضية أو الظاهرة المدروسة.
                وتكفي العودة إلى المدونة النقدية القديمة لتبين أن أبرز التحولات التي عرفها التفكير النقدي والبلاغي عند العرب إنما كان إيذانا بنضج الممارسة النظرية والمنهجية عند العرب، وارتقائها بآلياتها التحليلية وتصوراتها النقدية من الملامسة الجزئية إلى الاستبطان الكلي العميق. وقد تحقق ذلك من خلال مفاهيم، أبرزها: مفهوم عمود الشعر، ومفهوم النظم، ومفهوم التخييل.
فقد كان "عمود الشعر" الذي استقاه أبو علي المرزوقي (ت421هـ) من جهود النقاد والمتأدبين السابقين عليه، مفهوما متقدما في تاريخ النظرية النقدية عند العرب، أنهى به نقاشا طويلا كان يحصر فيه أصحابه جمالية الخطاب الشعري ضمن مكونات أسلوبية خاصة، ومحددات إبداعية دقيقة، ويرجعون من خلالها شاعرية الشاعر إلى مدى تمكنه من توظيفها وحسن صناعتها، فأوضح أن أدبية الشعر وبراعة الشاعر لا تعود إلى اللفظ والمعنى فقط، ولا إلى الصدق أو الكذب، ولا إلى الطبع والصنعة وغيرها من الثنائيات التي كانت تقارب مقاربة جزئية عند السابقين، وتنتهي بهم إلى تفضيل أحد عناصرها على الأخرى، بل ترجع -في تصوره- إلى حسن الربط بينها جميعا وجمالية صياغتها والتوليف بين عناصرها.
وكما هو الشأن بالنسبة إلى مفهوم عمود الشعر، كان مفهوم النظم لحظة بارزة في تاريخ البلاغة العربية، وقد استطاع من خلاله عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) أن يضع حدا لنقاش عمر طويلا، ولمشكل استفحل كثيرا، وكان يحول دون إدراك أبعاد جديدة في جمالية الخطاب، فبعد أن كان البلاغيون منقسمين إلى فريقين كل واحد منهما يناصر اللفظ أو المعنى ويرجع لأحدهما شعرية الخطاب، أبرز الجرجاني أن "أدبية الخطاب" لا تعود إلى المكون اللفظي ولا الدلالي، وإنما إلى طرائق تركيبهما ودرجات تآلفهما وتعالقهما، وهو ما سماه "النظم"، وهو مفهوم خلص به التراث البلاغي من هاته الثنائية الضيقة، وفتح به آفاقا رحبة أمام البلاغيين والنقاد اللاحقين.
ومن المفاهيم الكلية أيضا التي أسهمت إلى حد بعيد في تطور الممارسة النقدية والبلاغية عند العرب ونضجها مفهوم التخييل، وهو مفهوم على قدر كبير من الأهمية والخطورة معا، وعرف تحولات مست كينونته الاصطلاحية وقيمته الإجرائية، فبعد أن كان مصطلحا جزئيا يقارب بعض القضايا الأسلوبية في جمالية الخطاب، تحول مع الفارابي (ت339هـ) وابن سينا (ت428هـ) وحازم القرطاجني (ت684هـ) إلى مفهوم كلي جامع، يكثف تصورات عدة وعميقة. فلم تعد تقارب –في ظل اشتغاله وتوظيفه معهم- قضايا النقد والبلاغة مقاربات تجزيئية، وضمن آليات مفهومية متنوعة، بل أصبحت تعالج ضمن رؤية نسقية مترابطة، استنادا إلى التخييل الذي صار مفهوما نظريا وإجرائيا دقيقا وشاملا، يحيط بمختلف عناصر الخطاب الشعري ومستويات إنتاجه وتلقيه.
ولم يكن من الممكن لهاته المفاهيم أن ترقى إلى درجة الكلية والشمول دون استفادة النقاد والبلاغيين من جهود اللغويين والمتكلمين والفلاسفة وغيرهم، فقد كان للتراث العربي الإسلامي بمختلف روافده أثر بالغ ومتفاوت في تشكلها واشتغالها، وهو أمر يبدو جليا من خلال قيامها على أبعاد بيانية وإعجازية ونفسية وفلسفية وأصولية. ولئن كانت هاته المسألة تقودنا إلى بحث حدود التأثر والتأثير بين الثقافة العربية الإسلامية وغيرها من الثقافات القديمة، فإنها تدفعنا إلى تسجيل ملاحظة أساس مؤداها: أنه مالم تقرأ المنجزات النقدية والبلاغية –وضمنها المصطلحات والمفاهيم- في إطار السياقات المعرفية والشروط التاريخية لتبلورها، يظل إدراك كل أبعادها وفهم دقائق تلويناتها أمرا بعيد المنال.
ولا يعني ذلك أن وكد الكتاب وأقصى طموحه ينحصران في القراءة السياقية، بمستوييها التاريخي والمعرفي، بل المقصود الدفاع عن قراءة تفاعلية للتراث، وهي قراءة تعي أولا استحالة إنتاج قراءة ثانية مستنسخة لقراءة أولى في ظل اختلاف شروط التلقي وتغير مرتكزاته، فتغير السياق يفرض حتما تغير نمط القراءة، وكل إصرار على إنتاج قراءة من هذا القبيل سيجعلها ممسوخة وغير تاريخية. وإذ تعي القراءة التفاعلية ذلك لا تنكفئ على المقروء وتقصره على الشروط الذاتية والموضوعية التي أنتجته، بل تنظر في العناصر أو البنيات والتصورات التي تلتقي بمنجزات العلم الحديث، وتسمح بتطويره وإثرائه، دون أن تغفل في معرض ذلك دور فعل القراءة وعملية التأويل في إعطاء معنى للمقروء. 
من ثمة فقراءتنا للتراث النقدي والبلاغي عند العرب، ومتابعتنا لمفاهيمه ومصطلحاته لا تتوخى البحث في الأسس المعرفية والمرتكزات النظرية، ومتابعة الخصوصية الثقافية، بل تنشد أيضا -وفي الوقت نفسه- النظر في التصورات والرؤى التي تتجاوز ضيق الخصوصية وتخرقها لتلامس رحابة الكونية والكلية. وهو ما يجسده مفهوم التخييل في التراث النقدي عند العرب الذي كان نتاج حسن الربط بين العلوم الأصيلة والعلوم الدخيلة، أعني البيان والفلسفة. 
وإذا كان الكتاب الراهن سيتابع المفهوم الفلسفي للتخييل عند البلاغيين المغاربة، فإنه سيبحث ذلك من خلال الوقوف عند مصطلحات الخيال والتخيل إلى التخييل في المدونة الشعرية واللغوية عند العرب أولا، ثم عند البلاغيين العرب المتقدمين باعتبارهم أول من حدد المفهوم واشتغل به نظريا ومنهجيا وتطبيقيا، كما سيتابع التصورات الفلسفية للتخييل التي كانت مرجعا نظريا لحازم القرطاجني وغيره من بلاغيي الغرب الإسلامي في توظيف التخييل الشعري وتأطيره نظريا ومنهجيا، وهي متابعة ضرورية لإدراك مفهوم التخييل عند البلاغيين المغاربة، وتحديد عناصر التقاطع والاختلاف بين المفهوم لديهم ولدى غيرهم من البلاغيين الآخرين.

                                                                                                                مراكش في 12 شتنبر 2008

الاثنين، 27 أكتوبر 2008

قضية الصدق والكذب




جامعة القاضي عياض                                  شعبة العلوم الإنسانية والآداب والفنون
الكلية متعددة التخصصات                                        مسلك الدرسات العربية
           آسفي                                          من قضايا النقد القديم- الفصل السادس




قضية الصدق والكذب في النقد العربي القديم
(مطبوع دراسي)




ذ. مولاي يوسف الإدريسي


     
  تمهيد :
   
           أولا- قضية الصدق والكذب في الشعر عبد  القاهر الجرجاني:

(...) في سياق مقاربة قضية المعاني قابل  عبد  القاهر الجرجاني ووازن بين المعاني العقلية و التخييلية ، فوسم الأخيرة  بالخداع  والسحر  والإيهام ، مما يطرح  سؤالا هاما  يتصل  بالقيمة "الأخلاقية" للصور  الشعرية  وطبيعتها  المرجعية.  بمعنى  هل ترتهن  صياغة موضوع  تخييلي  بالضرورة  إلى الانزياح  عن  الواقع المادي  وخرق  نظمه  وعلاقاته؟ أم أنه  يمكن  أن يتشكل  بالنقل  الأمين  والحرفي لظواهره ومعطياته؟ وبالتالي هل  المعاني  والأحكام  التي ينطوي  عليها التخييل  تكون  دائما  كاذبة؟ أم أنها تكون  صادقة؟ أو  تتراوح  بين الكذب  والصدق؟

الجمعة، 17 أكتوبر 2008

وصية كليب لاخيه الزير سالم المهلهل








   


هديت لك هديه يامهلهل======= عشر أبيات تفهمها الذكاه

أول بيت أقوله أستغفرالله ======= أله العرش لايعبد سواه

وثاني بيت أقول الملك لله ======= بسط الآرض ورفع السماء

وثالث بيت وصي باليتامى ======= واحفظ العهد لاتذكر سواه

ورابع بيت أقول الله اكبر ======= على الغدار لاتنسى أذاه

وخامس بيت جساس غدرني ======= شوف الجرح يعطيك النباه

وسادس بيت قلت الزير خيي ======= شديد البأس قهار العداه

وسابع بيت سالم كون رجال ======= لآخذ الثار لاتعطي وناه

وثامن بيت بالك لاتخلي ======= لاشيخ ولا كبير ولافتاه

وتاسع بيت بالك لاتصلح =======وإن صالحت شكوت للاله

وعاشربيت إن خالفت قولي ======= انا وياك الى قاضي القضاه

الثلاثاء، 7 أكتوبر 2008

مفهوم النص الأدبي


                                                                         ذ.مولاي يوسف الإدريسي          

تمهيد:
يعد مصطلح النص الأدبي من أبرز المصطلحات التي سادت على نحو ملحوظ في الخطاب النقدي الحديث ، وقد تطورت دلالاته المفهومية وتعددت تأويلاته وتحديداته النظرية في السنوات الأخيرة نتيجة تطور العلوم المهتمة بدراسة الخطاب ونضج آلياتها التحليلية كاللسانيات والسيميائيات والأسلوبية وغيرها؛ إذ وقفت هذه العلوم عند النص الأدبي باعتباره ظاهرة لغوية، فتساءلت: ما الذي يحد ماهيته النصية؟ وما مقوماته وعناصره الأدبية؟